الأيام القديمة
تتهافت علي الآلام في شكل صرخة مدوية في الروح لا تترك للجفن أن يأخذ مبتغاه من لذة النوم وتلطمني لطما وعندي رجاء من القدر أن أطلقها طلاقا باتا ، فكانت كلما علمت بالأمر صارت تشد على كاهلي وأمكث ثلاثين يوما بلا مأكل ولا مشرب عساه ترق لحالي ، لكنه كأنما بعثت إلي برسالة مع الحمام التي لا تتركني إلا على ظهري جاثيا وباكيا حزينا ، حبرها العرق الذي يتصبب من جبيني وكان فحواها أن هيهات هيهات مني المفر.
فخرجت ذات ليلة شديدة البرودة و قد ارتديت معطفي الأسود الطويل ؛ كانت كريات الثلج تتساقط من السماء كعاشق بائس أضناه الهوى ، والدخان الذي يخرج من فمي بفعل البرودة الناتج عن عملية التنفس ، ينادي مستعطفا لحالي ، يا عم كيف تطيق الصبر؟ ولا زلت أخطو الخطوة تلوى الخطوة ولا صوت سوى ما يخلفه حذائي البني في الثلج الأبيض بياض البدر ، في والريح نسيم بارد يزلزل أركان أعضائي ويتلاعب بالثلج مثلما تلاعبت رياح الخريف بأوراق الشجر.
وأسرع في المشي دون وجهة محددة والبال أضفت عليه أضواء المصابيح المضاءة رونق التلبس بالإستلاب والضياع، فكان الفكر عن التاريخ مشتتا يتمرغ فيه البؤس واليأس فلم تكن إلا صور الدم والموت والمجازر.
وأسرع في خطواتي وظهري مقوس من ثقل الندم لما صنعت لنفسي كثقل القدر لما صنعه بالأحدب، فكان من المحال وصف الحال كأنما قصيدة شعرية لشاعر أبكاه شعره ، حتى الوشاح الذي ألفه على رقبتي يحاول الإنعتاق مني كمن يقول :" لقد رأيت الموت يسبو صبية " ،
فكان كمن رماني فرآني لا أخور فرماني، وأشد على نفسي مسرعا من هول ما تراه الأعين، لا شيئ غير جثث ، جثث جثث ، جثث تملأ الزقاق تلوى الآخر، حتى أدركت ذاتي في حديقة غناء ألتقط فيها أنفاسي .
أنظر إلى الساعة التي تشير إلى الثانية صباحا إلآ عشرون دقيقة ، فأيقنت أنه مر وقت لا بأس به على دخول اليوم الواحد والعشرين من أغسطس عام الثلاثين بعد الألف، آخذ من جيب معطفي سيجارة ضاما إياها بين شفتي التي خالطت حمرتها بعض السواد ، وأشعلت السيجارة لأحك بعدها ذقني كأنما الشيب الذي غمر لحيتي يستنجد بشيء آخر غير الشباب، فما أجمل ما رأت عيني.
توقف هطال الثلج والحديقة قد عجبت لأمرها أشجار بديعة المظهر يكسوها البياض والنسيم يتمايل بها في ذلك الليل بصوت هادئ ، والأشد عجبا وغرابة أزهار في هذا الجو البارد ، تلك الحمراء هناك جميلة ، والوردية هناك حيث تمثال رجل الثلج الصامت أجمل ، ثم أسير في خطى ثابتة أمتع ناظري كأنما الذي أرى مبعوث غرامي يسليني ويسلي فؤادي، لكن هل يكتم الإنسان ما ليس خافي ؟
جلست على كرسي والمبعوث أودعه باكيا، فإذا برجل يجلس بقربي يقول :" رويدكم يا صاحبي لا تسبقو بقطيعتي" ،
كان بائسا بؤس الوردة الذابل ، يلبس معطفا لا شابه معطفي إلآ في الطول، فقد لونه الحقيقي من كثرة الرقع والأوساخ ، وهناك في رجليه كان حذاء أسود اللون خيوطه غير مترابطة، كما أنا فكري مشتت ، لم أهمس له ببنت شفة ولم تكن القبعة الجميلة التي على رأسه لتشعرني ببصيص أمل ولو كان زائفا أما م ما رأت عيني حين لم يكن طول سؤاله كطول بنطا له فقال سائلا: هل لك أن تمدني بسيجارة ؟ رأيت يده الوسخة وأظافر يده تتقاسم معها مكان العيش بين الأصابع في اشتراكية بائسة .
والأيام القديمة كان هذا ما نطق به الرجل كأنه افتتاح لعرض مسرحي ساخر ، فعرفت من السنين التي مرت على رحيله عني أنه من بين الآلات الأولى التي اخترعت ، نحن في المستقبل واختراعي كان آلة تفكر مثل البشر بل حتى أن لها جلد بشر لولا أن داخلها أسلاك وصفائح معدنية ، قد ضاهت الإنسان في الذكاء فعادته لأنه أراد استغلالها ، كانت تلك الآلة تتكلم وأنا لا أسمع سوى التشاؤم الذي فيه جوهر الحقيقة ، ألم أكن أنا من جنا على نفسه قبل أن يجني على معشر الآلة ؟
ألست أنا الذي باع اختراعه بقدر ما يشتهيه من المال ؟
أصيحبي الوقت ضيق فاسمع ، قد تكون وضعت مكان قلوبنا صفائح من المعدن ، لكننا ننبض بالشعور، فإياك إياك أن يمس هذه الحديقة سوء من بعدي ، وإن مسها فهو ليس منا نحن آل الآلة بل منكم.
قالها فغشي عليه ومات إذ لم يرد أن يشحن نفسه بما يلزم من الطاقة، فكانت كما كل مرة نفس صورة المنية تتكرر.
فأخذت مسدسي من جيبي وصوبته نحو رأسي وأنا أفكر مليا في المثل الإنجليزي الذي يقول: " الموت حل لكل المشكلات"، وأطلقت عيارا ناريا أرداني بقرب صاحبي قتيلا.