[frame="7 98"]أمينة المريني" شاعرة نشأت في عاصمة المغرب الروحية والفكرية مدينة "فاس".. انبثق شعرها عن تصور إسلامي للكون والحياة والإنسان.. وانطلق من هذا التصور ليستوعب الحياة بكل ما فيها، ويتناول قضاياها ومشكلاتها وفق هذا التصور الصحيح.. لا يزيف حقيقة ولا يحابي ظلما أو نفاقا.. ومن ثم ينهض بعزائم المستضعفين وينصر قضايا المظلومين ويخفف من بلايا وأحزان المعذبين، ويبشر بالخير والحق والحب، ويعبر بصدق وأمانة عن آمال الإنسان..
إنها شاعرة أحبت الإسلام، فعشقت كل ما يمت إليه بصلة، وتعاملت مع كل ما يزيد من قوته، ويثبت كل ما يمت إليه بصلة، وتعاملت مع كل ما يزيد من قوته، ويثبت عمق الانتماء إليه.
ولدت "أمينة محمد إبراهيم المريني" في مدينة "فاس" بالمغرب سنة 1955م ونشأت وترعرعت على القيم والمبادئ الأصلية، التي تشربتها من مناهل علماء "فاس" ومفكريها.. درست بكتّاب الحي، ثم تابعت دراستها الابتدائية والثانوية والعالية في مدارس "فاس" و"الرباط".
عملت أستاذة للغة العربية بالتعليم الإعدادي ثمَّ الثانوي.. وقامت بمهمة الإرشاد التربوي للمعلمين المتخرجين من المراكز التربوية.
أمينة شاعرة وكاتبة إسلامية، متعددة النشاط، لها ارتباط ومشاركة في عدد من المؤسسات الأدبية والثقافية والتربوية، وهي:
* عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
* عضو جمعية الامتداد/ المكتب المركزي المغربي.
* شاركت في عدة مهرجانات شعرية ولقاءات ثقافية.. وحازت على جملة جوائز، من ضمنها الجائزة الرابعة للمباراة الشعرية العربية التينظمت بمناسبة افتتاح مسجد الحسن الثاني، وهي مباراة شارك فيها أكثر من أربعمئة شاعر من الوطن العربي والإسلامي.
وجائزة الثقافة والإعلام بولاية فاس سنة 1988م، وذلك عن ديوانها "ورود من زنزانة".
* نشرت معظم إنتاجها الشعري بمنابر وطنية وعربية، كمجلة الراية، ومنار الإسلام، والمشكاة، ودفاتر المغربية والمنتدى، واشتهرت باسم "فتاة المحيط".
بدأت"أمينة" كتابة الشعر منذ سن الخامسة عشرة، حيث كانت لها محاولات شعرية.. وفي عام 1979م بدأت تكتب الشعر العمودي، ثمَّ شرعت في المزاوجة بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة.
وقد أصدرت ديوانها الأول عام 1997م، وهو ديوان متنوع الموضوعات، ينتمي إلى مرحلتين من حياتها.. مرحلة ما قبل الصحوة الإسلامية، ومرحلة ما بعدها. وقد برز الحس الإسلامي فيه بقوة في قصائدها عبر القضايا المتنوعة، وخاصة في مرحلة ما بعد الصحوة، وقد حدَّدت فيه مفهومها للشعر في أبيات متفرقة، منها قولها:
وما الشعر إلا ذوب روح ونغمة
أليفين صيغا من لظى القلب والفكر
يقول الدكتور حسن الأمراني عن أمينة: "إنَّها شاعرة تمتلك ناصية الشعر بعد ما امتلكت أدوات الكتابة الشعرية. وهي تكتب القصيدة العمودية ذات النفس الطويل، كما تكتب قصيدة التفعيلة التي تذكرنا بـ "نازك الملائكة" وأخواتها، وإن تجاوز الأشكال الشعرية عندها إنما يدلُّ على فهم لطبيعة العصر من جهة، إذ هنالك الانفتاح على التجارب الشعرية المستحدثة، مع المحافظة المتزنة على الأصول، كما يدل على فهم طبيعة الشعر وجوهره من جهة أخرى، إذ إنَّ الشعر لا يكتسب حقيقته من الأشكال الخارجية بقدر ما يكتسبها من تلك الجذوة العلوية التي إن خبت خبا الشعر نفسه".
ويقول: "إني أعدُّ شعرها إيذاناً بميلاد صوت شعري متميز وواعد بخير عميم في حرم الشعر المغربي بأجمعه".
طرقت أمينة في شعرها موضوعات متنوعة، فنظمت شعراً دينياً (ابتهالات وتأمل في صفات الله سبحانه وفي مخلوقاته). وشعراً إنسانياً واجتماعياً تناولت فيه قضايا أخلاقية مختلفة، كالفساد الإداري والأخلاقي، والبطالة.. وشعراً وطنياً وسياسياً، ونظمت شعراً للأطفال..
وسجَّلت الشاعرة عبر هذه الموضوعات تصوراتها ورؤاها للكون والحياة، إذ إنَّها تعيش عبر قصائدها.. تمجيداً لله سبحانه، وحباً للوطن، وحملاً لهموم المجتمع والعالم الإسلامي.. لتجعل من هذا كله نسيجاً أدبياً قادراً على الإيحاء، وتسجيل المواقف تسجيلاً يؤكد الثورة ضد الظلم والأحقاد والفساد، والدعوة الصادقة للعيش في كنف الله بروح المتصوف، وقلب الداعية، وسيف المرابط في سبيل الله.
ومن خلال هذه الموضوعات المتنوعة التي تكشف عن تجليات هذا الحس الإسلامي بالتركيز على مضامين كبرى توضح عمق التجربة الشعرية لدى الأديبة الشاعرة أمينة، وتبرز إيغالها في التصور الإسلامي، وإيمانها العميق بأنَّ الإسلام هو الكفيل بتحقيق الوفاق والتناغم بين الإنسان والخالق سبحانه، وبين الإنسان والكون، وبين الإنسان والحياة.
المؤمن بحق هو الذي يمتلئ حسه وضميره وقلبه وعقله بحقيقة الألوهية، ويستشعر قوة الله وقدرته، ويحسّ في قرارة نفسه أنَّه لا ملجأ له في هذا الواقع إلا الله، إليه المشتكى وبه الأنس وعليه التوكل. وتصفو نفسه وهو يتحدث عن الله سبحانه وصفاته وآثاره.. فيلبس عباءة الخوف والرجاء، ويمتطي جواد التوبة والمجاهدة الذي يرتفع به الإنسان في حسه وذوقه وتصوراته، وملابسات حياته.
وأمينة المريني من الشواعر اللواتي أدركن هذه الحقيقة، فمضين عبر أشعارهن يعبرن عنها، إذ إنَّ كل لفتة من تصوراتها في شعرها توحي بالإيمان العميق والتوحيد الخالص والخضوع التام لله عزَّ وجل.
لقد أدركت عظمة باريها، فراحت بحسّها الشعري تحرِّك في الوجدان الإنساني روح الإحساس بوجود الله وسلطانه على النفوس وقدرته، تقول في ديوان "ورود من زنزانة":
هو ذا اللهُ معــك أين ما كنت معـك
يعلم الجهـر وما قد يناجي أضلعك
وخفــــاياك التي لم تبارح مخدعــك
إن تكن ذا قوة هل تسوِّي أصبعك؟
إنها دعوة واعية للنفس البشرية كي تتحسَّس وجود الله وعلمه وقوته، دعوة للهمس في أذن الإنسان: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ}، فتذكِّره بضعفه وفقره، وتهزه هزاً عنيفاً لأجل أن يتطهَّر من أدران الكبر وآثام التعالي ليرتقي إلى أسمى درجات الفضيلة والإشراق الروحي.
لقد وعت "أمينة" أنَّ النفس أمَّارة بالسوء وأنَّها إذا ركنت إلى نفخة الطين فإنَّ القلب يصدأ ويموت، فراحت تلوم نفسها على غفلتها وتدعوها للانعتاق والتحرر من قيود الشهوات والمتع الحسية:
سهوت يا نفس هل من ناصح ذكِرٍ قد غلّك الوزر في صلصالك القذر فكي القيـــــــود ولا ترخي مكابرة زمام غاوية في كــــــل منحـــــدر إذا ارتوت من خداع الآل خلت بها مسّاً من الجنّ أو حالاً من الخــدر تسفُّ في درك الأكــــدار لاهـــــثة
حـــــتى إذا ظمــئت حنَّت إلى كَدَر
حتَّام تشـــرُدُ بي نفــسي إلى دركٍ
وتدّعي الريَّ من مســـتنقع عَكِرِ؟
إنَّ تساؤلها يوحي بأنَّ النفس متى ركنت إلى الدنيا غرقت في الذنوب والدنايا ما يزيد نهمها ويلهي عن ذكر الله؛ ولذا نراها تقف داعية إياها إلى الرجوع والإنابة لله، خالق الأكوان ومُخرج الحي من الميت، فتقول:
رجعى إلى الله ربّ الكون أجمعــــه
ومخرج الحيّ من ميت ومندثر
رجعى إلى الحق في أسمى مظاهره
كما تلألأ في آيـــــاته الكـــــــبر
إيّاب مزدجــــــــر لله معـــــــتـــــذر
بالذلّ مشتمل للعفــو منتظــــــر
إنَّ الشاعر العظيم هو من كبرت هموم الإنسان في خلده، فاحتواها بفكره وقلمه وقلبه، وراح عبر إيحاءات الفضيلة والجمال يرسم للمعذبين سبل النجاة ويحذِّر الغافلين من مغبَّة السقوط في مهاوي الرذيلة والفساد..
وشاعرتنا "أمينة" إنسان مؤمنة تشبَّعت بقيم الإسلام وأفكاره، واحتكّت بمجتمعها وتوغلت في أعماق الإنسان فيه، وكشفت عبر رحلتها الشعرية عن صور كثيرة مليئة بالمتناقضات، وعرفت سلوكيات الناس وهمومهم، وخبرت أخلاقهم وقيمهم وأعمالهم ومواقفهم.. وسخّرت قلمها المتوضئ بروح القرآن لنقد الأخلاق المشينة والصفات السيئة اللاصقة بالإنسان، كالحسد والظلم والكبر، معلنة في غير ما قصيدة أنَّ هذه الأخلاق سهام قاتلة للحق والفضيلة والدين، داعية إلى التمسك بالقيم الإسلامية واستحضار مخافة الله بالدعاء والرجاء والتوبة.. تقول:
صل القلوب بحبل غير منفصم
واشدد على عروة (التوحيد) واعتصم
ولذ بركن من الرحمن في ثقة
ومن يلُذ بظــــــلال الله لا يضــــــــــــم
ما أحوج المسلمين اليوم قاطبة إلى التآخي ولمِّ الشعــــــــــث والسَّلمِ
وصوَّرت غربة الإنسان المسلم في الحياة، وكشفت عن ضياعه، وعن الحصار المضروب على أفكاره في ساحة تعجُّ بالتيارات العنيفة المدجَّجة بالفكر الضال.. ودَعَت هذا الإنسان المسلم إلى التمرد على كل أشكال القهر والظلم، وإلى الحرص على المقاومة والتحدي، وحمل هموم الناس، واحتواء المتساقطين على دروب الرذائل برحابة صدر وحسن توجيه، فتقول:
لماذا تعود؟
وحلمك أضحى رهين المزاد..
ولا وطن أو جواز سفر..
ولا رجَّة قد تكسّر هذا الضجر..
وتنظر أمينة إلى نموذج إنساني هدَّه الفقر وأضناه العوز فأغرقه في البؤس واليأس بعد ضياع أمله وجهده في أن يلقي عملاً كريماً يحفظ حياته وحياة أبنائه، فتراه ناقماً على نفسه ومجتمعه لغياب الرحمة والرأفة، ورفض ذوي الجاه والسلطان مدّ يد المساعدة له، وفي هذا إشارة إلى غياب تطبيق ركن شرعي وإنساني وهو ركن الزكاة، وانغماس الناس في أمور الدنيا واشتغال كلّ واحد منهم بنفسه، مما أفسد التدين وفتح باب الأحقاد والسرقات.. ففي قصيدة "العاطل" تصوِّر أمينة قصة فقير محتاج وتصف حالته وترثي جوعه، فتقول:
ساهمُ الطرف حزين القســمات
مثقل الروح وئيد الخطوات
مجّهُ الكــــــوخُ وألقــــــــاه إلى
غيب يوم وسراب الطرقات
ومضى في خرقةٍ طاوي الحِشا
كخيالٍ من عظام نخـــــرات
مستغـــــيثاً ملءَ عيـنيــه شكاةٌ
بوجوهٍ عَبَرَت دون التفـات
لقد غاب عدل عمر وغاب سمنه ودقيقه وبركاته، فلا دنيا غير دنيا الأغنياء، ولا حسّ غير وجع محتاج يصرخ في شدّة القهر، فتقول:
أقضاءٌ أن أرى خلف بيوت
أرقبُ العظــــمَ سخيّاً والفُتات
ولغيري مُهجــــــتي يملكها
إن يشأها سندساً أو مركبات
شرعةُ الغاب بقاءٌ لقــــوي
وقديماً كان في الناس البغاة
فهذا النموذج صورة عن الظلم والغبن الذي يلحق بالإنسان في غياب العقيدة وموت قيم العطف والرحمة والعون والإخاء التي دعا إليها الإسلام[/frame]